قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

452

الخراج وصناعة الكتابة

وقد أوصى مهبوذ أحد حكماء الفرس بعض ملوكهم فقال : اتخذ من نصحاء علمائك مرآة لطباعك ليجود بها رأيك فأنك إلى صلاح طباعك أحوج منك إلى تحسين صورة وجهك ، والعالم الناصع في تعريف المخبر أصدق من الجديد المجلو في تبين النظر . وقد قال شاعر من شعراء العرب : وما كل ذي لّب بمؤتيك نصحه * وما كل مؤت نصحه بلبيب « 24 » ولكن إذا ما استجمعا عند واحد * فحقّ له من طاعة بنصيب فإذا عرف الملك سلامة من يشاوره من هذه الشوائب التي وصفنا ، وشاوره فيما يحتاج اليه ، طالبه بالدليل على أن يكون الذي يرتئيه وينص عليه هو الصواب دون غيره ، فإذا أتى بالحجة في أنه أصوب الوجوه التي يوجها الرأي ميز « 25 » الملك ذلك بعقله ، ووزنه بمعيار نظره واعتباره . فأن الملك عند فعله ما قدمته إذا أتمن انسانا كان أمينا ، وإذا استنجد رجلا كان نجدا وإذا استكتب كاتبا واتخذ صنيعا من سائر صنوف أصحاب الصناعات والمهن ، كان في معناه بليغا سديدا ، وتحصل له جمهور ما يعلمه على حقه وصدقه وصوابه وتظهر أفعاله متعجبا « 26 » منها مفضلا بها بينا فيها « 27 »

--> ( 24 ) هذه الأبيات لأبي الأسود الدؤولي . وجاء البيت الأول في ديوانه بشكل مغاير لما ذكر . كالآتي . فما كل ذي نصح بموتيك نصحه * ولا كل مؤت نصحه بلبيب أنظر : ديوان أبي الأسود الدؤلي - شرح وتحقيق عبد الكريم الدجيلي ص 208 ط 1 ، سنة 1954 م . ( 25 ) في س : تميز . ( 26 ) ليست في س ، ت . ( 27 ) في س ، ت : فيهما .